أحمد بن حجر الهيتمي المكي

49

الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود

وأرجو أن أكون أنا هو ذلك العبد ، فمن سأل لي الوسيلة . . حلّت له شفاعتي يوم القيامة » « 1 » . ثم رأيت ما سأذكره قريبا عن الغزالي ، وناهيك به نفاسة وتحقيقا ، وهو صريح فيما ذكرته ، فتأمل آخره . . يظهر لك الصواب في ذلك . ويؤيّده أيضا قول بعضهم : الصلاة عليه صلى اللّه عليه وسلم من العبد دعاء ، ودعاء العبد إما بقضاء اللّه تعالى لحوائجه ، أو بأن يثني على حبيبه ، ويزيد في تشريفه وإشهار ذكره ورفعته ، ولا شك أن اللّه تعالى يحب ذلك ، وكذا رسوله ، فالمصلّي عليه قد صرف سؤاله ورغبته إلى طلب محابّ اللّه تعالى ورسوله ، وآثر ذلك على طلب حوائجه ، فقد آثر اللّه ومحابّه على ما سواه ، والجزاء من جنس العمل . قيل : ولم يتركه صلى اللّه عليه وسلم ربّه سبحانه وتعالى تحت منّة أمّته حتى عوّضهم منه بأمره بالصلاة عليهم بقوله جلّ وعلا : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ . تنبيه : سئل ابن سيرين عن الدعاء بالمغفرة للميت الصغير - مع أنه لا ذنب له - فأجاب بأنه صلى اللّه عليه وسلم غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ، وأمرنا بالصلاة عليه ، وكأنه يشير إلى أن الدعاء بالمغفرة لا يستلزم وجود ذنب ، بل قد يكون لزيادة درجات القرب « 2 » ، كما يشير إليه استغفاره صلى اللّه عليه وسلم في اليوم والليلة مائة مرّة ، فاندفع قول بعضهم : يحتمل أن المراد بطلبها للطفل في قولهم في دعاء صلاة الجنازة : ( اللهم اغفر لصغيرنا وكبيرنا ) . .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 384 ) ، وابن حبان ( 1690 ) ، وأبو داود ( 523 ) ، والترمذي ( 3614 ) والنسائي ( 2 / 25 ) . ( 2 ) اعتمد هذا المؤلف رحمه اللّه تعالى في « التحفة » ( 3 / 137 ) حيث قال : ( والطفل في ذلك - أي : في وجوب الدعاء له - كغيره ؛ لأنه وإن قطع له بالجنة تزيد مرتبته فيها بالدعاء له ، كالأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم ) .